Visit The Moroccan Equations for an English translation
ليست المعضلات والإشكالات المغربية معادلات جبرية تحتاج صيغة حل مباشرة. لكنها تأخذ شكل متفاوتات يختل فيها التوازن بشكل صارخ بين مختلف القوى المؤثرة فيها.ومثل أي مسائل معقدة فهي تحتاج إستراتيجية حل تكافئها في الصعوبة و التعقيد. ورغم هذه الخاصية الجوهرية فالحل يرتكز أساسا على عدد من المبادئ البديهية : سيادة روح القانون و التوازن بين مختلف السلط علاوة على المحاسبة والديمقراطية الحقة.
منذ سنة 1999، ارتبطت الأوراش الكبرى لتطوير البنى التحتية بقرارات الملك محمد السادس. وقد ساهم هذا الربط في الضغط على وزارة التجهيز لإنجاز عدد من المشاريع بسرعة فائقة مقارنة مع العهد البائد. ولعل المثال الأكثر وضوحا هو مشروع الطرق السيارة التي يبلغ طولها حاليا 916 كلم. وفي الميدان السياحي ربط مشروع السعيدية المتوسطي بالإرادة الملكية وعلى هذا جرت العادة بعد ذلك فيما يخص مختلف المشاريع السياحية. فكثيرا ما نسمع الحديث عن هذه الأوراش بوصفها “مشاريع سيدنا”. ولاحقا أطلق المغرب مشروعا عملاقا للطاقة الشمسية نسب أيضا إلى القصر الملكي. وإذا كان هذا الربط بين المؤسسة الملكية وهذه الأوراش الكبرى قد ساعد بشكل ملموس على التسريع من وتيرة الأشغال المرتبطة بها، فإنه أعطى في نفس الوقت لما يصطلح عليه بالمخزن ذريعة تجاهل أي ملاحظة أو لفت نظر يهم الجوانب التقنية للخيارات الإستراتيجية للبلد لأن بين صفوف السلطة ” من يعرف ما هو الأصلح للبلاد”(المصدران1 و2)
عشوائية التسيير، انعدام الشفافية و تهميش آراء المواطنين إضافة إلى غياب النقاش الوطني الجاد حول أهم قضايا الأمة هي النتائج الحتمية لتسليم التقنوقراط مقاليد السلطة إيمانا بأن مشاكل المغرب مختزلة في معادلة واحدة لا يملك أحد القدرة على إيجاد العبارة السحرية لحلها خارج نطاق هذه الهيئات التقنوقراطية و المجالس التنفيذية غير المنتخبة
حكم التقنوقراط: بعض الأمثلة
مشروع القطار فائق السرعة
تم توقيع صفقة القطار فائق السرعة بتكلفة بلغت 2،72 مليار دولار (المصدر 3) دون استشارة المنتخبين و بغض النظر عن انتقادات مختلف الهيئات المدنية
ـ القطار فائق السرعة ترف بعيد كل البعد عن الحاجات الملحة لعموم المواطنين
ـ يجب أن تعطى الأولوية للاستثمار في القطاعات الحيوية إذ تبلغ الأموال المستثمرة في قطاع التعليم على سبيل المثال حوالي 680 مليون دولار وهو ما يناهز ربع المبالغ المرصودة لمشروع “التي جي في” في حين لا تتجاوز ميزانية وزارة الصحة عشر ميزانية هذا المشروع
بعد أزيد من سنة على توقيع العقد مع شركة ألستوم الفرنسية، لم يتم إطلاع المواطنين على أية معلومات بخصوص مستقبل المشروع. و تبقى الأسئلة تتناسل دون مجيب: كم سيبلغ ثمن التذاكر؟ كيف سيتم تحديد هذا الثمن ؟
مخطط “المغرب الأزرق” لتهيئة السواحل الشمالية
تماشيا مع رؤية 10 ملايين سائح سنة 2010، عرف المغرب انطلاق مشاريع عقارية عملاقة خصوصا على السواحل المتوسطية. و قد عرفت هذه المشاريع انتقادات حادة من طرف الجمعيات المدنية و سكان المناطق المعنية لعدم جدواها من وجهة نظر اقتصادية انطلاقا من ملاحظة بسيطة: إذا كان بيع فيلا فاخرة بمساحة 1000 متر مربع لزبون أوروبي قد يساعد في خلق نشاط سياحي نادرا ما يمتد أكثر من شهر في السنة مع انعدام أي مردود إضافي خلال بقية العام، فإن استغلال نفس المساحة لبناء فندق أو مطعم أو أي خدمة سياحية أخرى قد يوفر مناصب شغل لعدد من السكان لفترة لا تقل عن خمسة أشهر سنويا
ولم يكن مشروع “ميديتيرانيا السعيدية” أهم إنجازات مخطط “المغرب الأزرق” سوى مشروعا عقاريا بامتياز بضمه لأكثر من 3000 فيلا و شقة مقابل6 فنادق. و تجدر الإشارة إلى أن مجموعة فاديسا الإسبانية التي أنجزت المشروع استفادت من تسهيلات حكومية غير مسبوقة (المصدر 3) أثارت سخط الرأي العام الوطني و أسالت لعاب العديد من “المنعشين” العقاريين
و لقد كان لهذا الكم الكبير من المشاريع انعكاس بالغ الأهمية على أثمان العقار التي ارتفعت بشكل صاروخي في المناطق المحيطة بها. و يبرز الجدول التالي أمثلة قرى مجاورة لمدينة تطوان بعيد انطلاق أشغال”غولف باردايز ريزورت” و”بلايا فيستا” في كل من تمرابط و أوشطام
القرية متبوعة بالمعدل التقريبي لارتفاع أسعار العقار بالمناطق الشاطئية
آزلا
1100%
آمسا
900%
تامرابط
تم استغلال كل الأراضي الشاطئية
تامرنوت
1500% -2000%
أوشطام
تم استغلال كل الأراضي الشاطئية
بياضة
تم استغلال كل الأراضي الشاطئية
واد لاو
1500%
تارغة
غير محدد
السطيحات
1000%
(المصدر: سماسرة العقار بالمناطق المذكورة و هي أرقام ذات مصداقية معتبرة)
نبهت مختلف الفعاليات المدنية مرارا إلى الأضرار البيئية الفادحة للأوراش المشار إليها سابقا. وتمت دعوة الجهات المسؤولة إلى إجراء دراسات تهم التداعيات البيئية لهذه المشاريع قبل الشروع في إنجازها (المصدر 4). و منذ مطلع سنة 2004 توالت التحذيرات من العواقب الوخيمة لتدمير الكثبان الرملية بضفاف نهر ملوية بغية استغلال الرمال في البناء، إذ يحتمل أن يؤدي هذا الجرف المفرط للرمال إلى فيضانات تغرق مساحات يابسة هامة. و يرى بعض المختصين أن الأشغال الجارية ستؤثر سلبا على الثروة السمكية بالسواحل المتوسطية مما قد يساهم في تعميق الأزمات الاجتماعية و الاقتصادية بمنطقة تعرف أصلا كثافة سكانية مرتفعة
محطات توليد الطاقة الشمسية
كثر الحديث مؤخرا عن مشروع ضخم لتوليد الطاقة الشمسية. و كان من الممكن أن تعد هذه الأصداء مشجعة لو تم إطلاع الرأي العام على القدر الأدنى من المعلومات التي من شأنها التخفيف من ضبابية الصورة و تقليل الغموض الذي يكتنف إنجاز المشروع. فكما جرت العادة، لم تتم مناقشة تفاصيل مشروع توليد الطاقة الشمسية تحت قبة البرلمان كما لا تتوفر إلى حد الساعة معلومات تهم التقنيات المزمع استخدامها في مشروع بهذه الأهمية: هل سيتم اللجوء إلى التوليد الحراري أم سيتم استعمال التقنيات الكهروضوئية ؟ ما نوعية المواد الأولية المقرر استخدامها و التي ستؤثر بشكل ملموس على تكاليف الصيانة و الآثار البيئية للمشروع ؟ هذه، من بين أخرى عديدة، أسئلة جوهرية يود العديد من المختصين المغاربة الإجابة عنها بعد أن تم تهميش تجاربهم الغنية المعترف بها دوليا بإبعادهم عن المساهمة في وضع تصور المشروع
تنامي الشعور العام بتهميش الدور الشعبي في صيرورة تطور البلاد
بلغت نسبة العزوف عن المشاركة الانتخابية خلال الانتخابات التشريعية سنة 2007 حوالي 70% كمعدل وطني فيما ناهزت هذه النسبة 80% في الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للبلاد. و لعل هذه الأرقام الصادمة تؤشر على أن اليأس و القنوط بلغا مبلغهما في صفوف المواطنين الذين ما عاد 70% منهم يجدون سببا وجيها للاستمرار في خوض الاستحقاقات الانتخابية
و مع أن الانتخابات حاليا أكثر نزاهة و شفافية من سابقاتها خلال العقود الأخيرة، فإن أغلب المواطنين لا يؤمنون بجدواها و لا بما يمكن أن تحمله من رياح التغيير نظرا لمحدودية السلط التي يتمتع بها المنتخبون المحليون مقارنة مع أذرع المخزن من ولاة و عمال و قياد… الذين يتم تعيينهم بظهائر ملكية. و حتى على الصعيد الوطني تظل المهام التنفيذية للحكومة و الرقابية للبرلمان شكلية إذا ما قورنت بما يتمتع به رجال البلاط من صلاحيات موسعة وهذا ما أشار له الوزير الأول السابق عبد الرحمان اليوسفي في محاضرته الشهيرة ببروكسيل سنة 2003
أهل مكة أدرى بشعابها
لقد كانت خمس سنوات كافية لتظهر، بما لا يدع مجالا للشك، أن خيارات اللجان التقنوقراطية فيما يخص مشروع السعيدية المتوسطي قد جانبت الصواب كما أثبتت ذلك فيضانات السعيدية سنة 2008 و التي نتجت عن تدمير الحاجز الرملي الطبيعي الذي كان يحمي المدينة من كوارث طبيعية بهذه الحدة. و لعل هذه الوقائع المؤسفة تؤشر على أن القرارات المتخذة و فق هياكل ديمقراطية سليمة ما كانت عواقبها لتبلغ هذا السوء. فالأعراف الديمقراطية تكفل للمواطنين سلطة تصويب قرارات ممثليهم عكس ما هو عليه الحال إذا تعلق الأمر بهيئات معينة دون شرعية انتخابية
نأمل أن تتم، في مستقبل الأيام، قطيعة نهائية مع أساليب الحكامة المخزنية إيمانا بأن المجتمع المغربي بلغ درجة معقولة من النضج و ما عاد بحاجة إلى الحجر على تصرفاته. لذا وجب اعتبار المجتمع المدني شريكا في جميع المشاريع المقبلة بما يترتب عن هذه الشراكة من قوة اقتراحية ملزمة تنبه بخصوص الأخطار المحتملة و تأتي بمقترحات و أفكار يتعاطى معها بما يلزم من جدية
بلغت أصداء الانتفاضات الشعبية في وجه ممثلي السلطة الآفاق و أصبحت واقعا جديدا يفرض نفسه على الساحة المغربية. و إذا كان هذا العنف الاجتماعي المتصاعد قد يعزى إلى غياب الحريات المدنية فإن أسبابه الرئيسية راجعة إلى آثار اقتصاد الريع على مداخيل المواطنين خاصة في ميدان الصيد البحري. كما ساهم التهميش الممنهج للإرادة الشعبية في زيادة الاحتقان في صفوف الفئات المحرومة
و لطالما سمعنا في الأوساط السياسية، و حتى بين عموم المواطنين، من يؤكد على أن المغاربة ما زالوا غير مؤهلين للعيش في كنف نظام ديموقراطي يتمكنون في ظله من سياسة أنفسهم بأنفسهم. و التعليل دائما هو غياب روح المسؤولية وانعدام الاهتمام بالقضايا الجماعية لدى عامة الناس. و لكن كيف يمكن أن نطالب المواطن بتنمية روح المسؤولية لديه و هو يعلم أنه مجرد رعية من الرعايا مصيره معلق بأهواء “رجال البلاد” الذين إن أصلحوها صلحت و إن أفسدوها فسدت. و ما ينطبق على رجل الشارع ينطبق على النخب السياسة التي لا تملك من أمرها شيئا أمام مراكز القرار الحقيقية
لا مناص من هياكل ديمقراطية صلبة لطي هذه الصفحات السوداء من تاريخ البلاد. فلن يصير المسؤولون مسؤولين فعليا عن قراراتهم إلا إذا تم تفعيل آليات المحاسبة التي قد تعرضهم للمساءلة القانونية في حال أخلوا بتعاقداتهم مع جمهور الناخبين الذين أوصلوهم إلى السلطة. و هكذا سيصير المواطنون أكثر اهتماما بتدبير الشأن العام حين امتلاكهم سلطة محاسبة ممثليهم. و يمكن القول بكل واقعية أن تطبيق مبادئ الديمقراطية هو السبيل الوحيد لجعل المواطنين مؤهلين للعيش في ظلها. دعوا المغاربة يحولون متفاوتاتهم إلى معادلات يعملون على حلها بأنفسهم واتركوا الأيام تقيّم النتيجة
المصادر
1
خالد الناصري وزير الإعلام و الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة غشت 2009-
2
مجلة ليكونوميست عدد 15 فبراير 2007-
3
Challenges المجلة الفرنسية -
4
حول نهب الرمال (ESCO) شريط مصور من إنجاز فضاء التضامن و التعاون بالجهة الشرقية -
ترجمة محمد الباكوري. النص الأصلي : The Moroccan Equations.

Written by Mahdi
Visit The Moroccan Equations for an English translation
Posted on Monday, March 8th, 2010






